الصالحي الشامي
16
سبل الهدى والرشاد
قال أبو زكريا الفراء ( 1 ) : ( كل ما كان على فعل يفعل كدخل يدخل ، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا ، فلا يقع فيه الفرق مثل دخل مدخلا . ومن الأسماء ألزموها كشر العين منها : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق وغيرها ، فجعلوا الكسر علامة للاسم ، وربما فتحه بعض العرب . وقد روي المسجد المسجد والمطلع المطلع ) . قال : ( والفتح في كله جائز وإن لم نسمعه ) . قال في الصحاح : ( والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه السجود . وقال أبو حفص الصقلي - بفتحتين في كتاب تثقيف اللسان ( ويقال مسجد يفتح الميم ، حكاه غير واحد ، فتحصلنا فيه على ثلاث لغات ) . والمسجد بكسر الميم الخمرة بضم الخاء المعجمة وهي الحصير الصغير ، قاله العسكري . وأما عرفا فكل موضع من الأرض لقوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) . قلت وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الخصائص . ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه ، فقيل مسجد ، ولم يقولوا مركع . ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها ، فلا يعطى حكمه ، وكذلك الربط والمدارس فإنها هيت لغير ذلك . التاسع : في الكلام على قوله : الحرام . أبو شامة : أصل الحرام المنع ، ومنه البيت الحرام ، وفلان حرام أي محرم وهو ضد الحلال ، وذلك لما منع منه المحرم مما يجوز لغيره ، ولما منع في الحرم مما يجوز في غيره من البلاد . الماوردي رحمه الله في كتاب الجزية من حاويه : ( كل موضع ذكر الله تعالى فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم ، إلا في قوله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) [ البقرة : 144 ] فإنه أراد به الكعبة . الحافظ رحمه الله تعالى : ( لفظ المسجد الحرام في الأصل حقيقة الكعبة فقط ، وهو
--> ( 1 ) يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي ، مولى بني أسد ( أبي بني منقر ) أبو زكرياء ، المعروف بالفراء : إمام الكوفيين ، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب . كان يقال : الفراء أمير المؤمنين في النحو . من كتبه ( المقصور والممدود ) ، و ( المذكر والمؤنث ) ، وكتاب ( اللغات ) . واشتهر بالفراء . ولما مات وجد ( كتاب سيبويه ) تحت رأسه فقيل : إنه كان يشيع خطأه ويتعمد مخالفته . توفي في سنة 207 ه انظر الاعلام 8 / 145 ، 146 . ووفيات الأعيان 2 / 288 ، وغاية النهاية 2 / 371 .